dimanche 10 janvier 2016

في مفهوم المجال العمومي

الواقع التونسي نموذجــا

بقلم : وهيبة الغالي
 ماجستير بحث 
في الميديا والاتصال


المقدمــــة
لا يخلو البحث في مفهوم محدد ودقيق ل"المجال العمومي" من صعوبات عدة تعود أساسا إلى تشعب المفاهيم حوله حيث تتنوع المقاربات عند تحديده : ابستيمولوجية، تاريخية، سوسيولوجية وغيرها، إضافة إلى تداخل هذا المجال مع عدة مجالات أخرى كالمجال السياسي والإعلامي والأدبي ...
كل هذه المقاربات والحقول متصلة بظهور المصطلح ومفهومه من جهة وعدم ثبوته من جهة أخرى لذلك نحتاج إلى عمل بحثي دقيق قد لا يسمح المجال حاليا للقيام به. وسيكون هذا العمل ملامسة أولى لأهم المفاهيم الواردة حول هذا المصطلح. وسنتناول بالدرس المجال العمومي التونسي كنموذج لهذه القراءة، فالبحث في خصوصية المجال العمومي من منظور سوسيولوجي تاريخي تواصلي يساعد على تحديد علاقته بمجال الاتصال وعلوم الإعلام.
جملة من الاشكاليات المطروحة في هذا المجال تستوجب الوقوف عندها والبحث فيها وقد تعددت المدارس والدراسات وبرزت تيارات فكرية عالمية منها ومحلية ولعل هابرماس وكيري وفيري وفرايزر وغيرهم كان لهم الأثر الواضح في هذا "الحقل المتحول" غير أن عددا كبيرا من الباحثين في العالم العربي والمغاربي ركزوا جهودهم على المجال العمومي في شبكة علائقية مع الاتصال وعلوم الإعلام.

فهل أن مفهوم المجال العمومي المتعلق بالنظريات القديمة اندثر وحل محله مفهوم حديث مستحدث شديد الارتباط بالتحولات التكنولوجية التي فرضها واقع الميديا والاتصال في هذه السنوات الأخيرة؟

1- مفهوم المجال العمومي 
1.1        مفهوم المجال العمومي حسب هابرماس  
يورغن هابرماس فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر وُلد سنة 1929 ينتمي إلى مدرسة فرانكفورت اقترن تعريفه للمجال العمومي بظهور الصحافة في القرن 18 حين كان البورجوازيون يجتمعون في فضاءات للنقاش (الحمامي، 2012، 229)  اعتبرها فضاءات للتواصل وقد تأثر هابرماس بأفكار كانط وفلسفة الأنوار التي تعطي للعقل الإنساني مكانة تليق بالإنسانية وتجعله قادرا على إدارة شؤونه بنفسه وبدون وسيط وهي جوهر الديمقراطية التي كان يؤمن بها هابرماس والذي نقد نفسه بنفسه حين رأى أن الميديا صارت وسيلة للضغط على الجمهور لخدمة مصلحة جهات معينة لذلك عرف هذا الفيلسوف بانتمائه للتيار النقدي إذ يرى "أن الفعل الديمقراطي التواصلي لا يستطيع أن يحصل على مشروعية حقيقية قائمة على سلطة العقل إلا في إطار خطاب نقدي خال من الالتزامات والقيود السلطوية"

2.1               مفهوم المجال العمومي حسب فيري

جان مارك فيري هو فيلسوف فرنسي ولد سنة 1946 ويعتبر من تلاميذ هابرماس ترجم له مؤَلفات إلى الفرنسية وتركزت نظرياته ورؤاه حول فلسفة التواصل وتأثير الواقع السياسي في المجال العمومي وطرح عدة اشكاليات وأعمال حول الاتحاد الأوربي وفي دراسة له حول المجال العمومي في المجتمع اليوناني ومثيله في الوسط البورجوازي ركز على ساحة agora للنقاش العام حيث كان الناس يجتمعون ليتداولون شؤونهم العامة والسياسية فيما بينهم ويعتبره مجالا يتسم بالنقاء« netteté » 
ويعتبر أن الفضاء العمومي في المثال البورجوازي هو فضاء سياسي  يتسم ب"العمومية" (العبارة بالفرنسيةd'un  espace public politique centré sur la catégorie de « Publicité) ولا ينفي فيري في دراسته ظهور نماذج أخرى من المجال العمومي أفرزها الواقع الديمقراطي.  وقد ركز على تداخل المجال العمومي السياسي مع مجالات أخرى كالاتصال والعلوم الصحيحة والوسائل التكنولوجية وهو ما يدعم الديمقراطية التشاركية participative على عكس هابرماس الذي أراد العودة إلى المثال اليوناني مهد الديمقراطية التداولية الأصيلة في نظره.


3.1 مفهوم المجال العمومي حسب لويس كيري
 لويسكيري هو عالم اجتماع فرنسي ولد سنة 1947 يرى أن المجال العمومي شهد تطورا ملحوظا لاسيما في المجتمعات الفرنسية إذ بات متداولا بين عامة الناس وفي حياتهم اليومية وهو ما جعل من هذا المصطلح مادة بحث سوسيولوجية بعد أن كان منطلقا لحقل سياسي صرف. ورغم أن نظرياته نابعة من الفكر الهابرماسي لم يتردد كيري في نقد هابرماس إذ يرى أنه عمل على ضبط معايير محددة للمجال العمومي معتمدا على مقاربة تاريخية من خلال البرجوازيين إضافة إلى التصاقه بالمقاربة الماركسية الكلاسيكية وهي في واقع الأمر أضحت لا تفي بالغرض في مجال تحديد المفاهيم المتعلقة بالمجال العمومي. وبالتالي فهو مجال تحول من فضاءسياسي إلى فضاء سوسيولوجي.

4.1 مفهوم المجال العمومي حسب فرايزر
نانسي فرايزر فيلسوفة أمريكية معاصرة من مواليد 1947 تقر بوجود مجال عمومي كوني يتجاوز النظرة الهابرماسية لهذا المصطلح وبذلك تعتبره مجالا أوسعا وأشملا حيث يكون للفرد فيه دور أعمق يجعله قادرا على تغيير الواقع وليس التداول حوله فحسب. لذلك تحدثت فريزر عن " الفضاء العمومي ما بعد البورجوازي" كما تعتبر أن الفهم الصحيح للمجال العمومي يحدد علاقته المباشرة بالديمقراطية وكل ما يتعلق بها وبالتالي فإن التداول في الشأن العام والشأن السياسي لا يقتصر على فئة مخصوصة من المجتمع كالبورجوازيين أو المثقفين بل يشمل جميع المواطنين باختلاف انتماءاتهم الاجتماعية ومشاربهم الفكرية.


2-   الواقع التونسي نموذجا
إن المفاهيم المتصلة بالمجال العمومي وإن اختلفت وإن كانت محل نقد فإنها تشترك في نقطة أساسية تتمثل في أنها فضاء للجميع. وفي المثال التونسي إن المجال العمومي فضاء وجده المواطن فاستخدمه ولم يخلقه، استخدمه في ظروف أجمع عليها الباحثون وكان لها دور فارق في دراسة هذا المجال هي ظروف سياسية بالأساس تتمثل في "الثورة التونسية" كما يسميها البعض وبذلك تظافرت مجموعة من العوامل "لتشكل معا مجالا عموميا تونسيا جديدا ديمقراطيا منفتحا وجماهيريا." 
كان من المفروض أن يكون المجال العمومي التونسي مجالا يوحد التونسيين، في ظل التحولات السياسية بعد عقود من سيطرة السلطة الحاكمة ومحاولة تغييب دور هذا المجال رغم ولوج الوسائل التكنولوجية في مجال الاتصال البلاد التونسية مثل الانترنت والفايسبوك والمدونات...غير أن هذا المجال تحول بدوره ليصبح فضاء للفوضى وتبادل السب والشتم ونصب المكائد وتلفيق التهم وتشويه السمعة.
فأصبح تحديد ملامحه أمرا صعبا وغير واضح وقد يندرج المثال التونسي ضمن ما سمته الفيلسوفة الأمريكية فريزر ديمقراطية المجتمعات الرأسمالية المتأخرة إن اعتبرنا جدلا أن النظام التونسي هو نظام راسمالي.
وبدلا من توظيف المجال العمومي في النقاش والتداول حول الشأن العام وقع افتعال مجال في ظاهره عمومي وفي الواقع مجال يخدم مصالح فئة معينة دينية كانت أو حزبية أو تجارية...
فأصبح عامة الناس قادرين على نشر الإشاعة أو الأخبار الزائفة لإضعاف جهة أو نصرة أخرى وكأن المجال العمومي أصبح مجالا ل "فوضى مقصودة" و"هو ما يثبت فكرة الحديث عن إعلام جديد"(حيدري،2012، 28)
ولا يمكن فهم كنه هذا المجال إلا باستخدام تقنيات بحثية معتمدة قد لا يسمح المجال في هذه المساحة بالتطرق إليها، غير أن الواقع الحالي يطرح مسألة على قدر من الأهمية وهي أخلاقيات المجال العمومي، فهل يمكن الحديث اليوم عن أخلاقيات في المجال العمومي وما هي الآليات التي يمكن أن تنظمه وما هي الضمانات الكفيلة بنشرها في هذا المجال القديم الجديد الضامن لحرية التحرك فيه بطرق مختلفة. وهل أن هذا المجال قادر على تحديد مدى ديمقراطية الشعب التونسي وليس الدولة التونسية ؟

الخلاصة
لا يوجد حتى الساعة مفهوما موحدا لمصطلح المجال العمومي رغم الطفرة التي تشهدها الساحة الفكرية والسوسيولوجية والسياسية والاتصالية. غير أنه لا يمكن أن ننكر مكانة بحوث هابرماس في تحديد هذا المصطلح في علاقته بنظرة تاريخية كلاسيكية ضيقة تجعل المجال العمومي مجالا مثاليا نقيا يزخر بالإيجابيات، وهو ما علَق عليه فلاسفة آخرين على غرار فريزر وفيري وكيري وغيرهم واعتبروا المجال العمومي مجالا أشمل يشارك فيه عامة الناس ذو بعد سوسيولوجي وليس سياسي فقط.
وفي الواقع المجال العمومي هو فضاء للجميع يلتقون فيه واقعيا أو افتراضيا يمارسون فيه النقاش أو المدح أو الهجاء ويخدم مصالحهم الفردية أو الجماعية ويلامس مختلف المجالات الحياتية.
وفي تونس نعتبر أن المجال العمومي فضاءان الأول واقعي والثاني افتراضي يتواصل فيه الناس عن طريق الانترنت الفايسبوك التويتر، ولا يمكن أن ننكر أنه فضاء تعمه الفوضى قد يستوجب استعارة عبارات لتوصيف الوضع الذي يعيشه هذا الفضاء كما فعل الكثيرون على غرار الحقنة تحت الجلد والطلقة السحرية. وقد تصح عبارة كبّة الصوف المبعثرة.







  







تعريب : قوالبنا للبلوجر | تصميم : the template bank