بقلم : وهيبة الغالي
لئن أسال مشكل
الانقطاع المدرسي الحبر الكثير،فحذرت الدراسات من خطورته ونظرت في أسبابه ونتائجه
ملامسة بعض الحلول، فإنها أهملت عنصرا على قدر من الأهمية وهو هشاشة منظومة حماية
الطفل المنقطع عن الدراسة والثغرات القانونية في النصوص ذات الصلة التي ساهمت في
تفشي هذه الظاهرة وفي العجز عن إيجاد الحلول الملائمة لها.
كانت تبلغ خلود
السادسة عشر من عمرها، حين غادرت مقاعد الدراسة منذ السنة الدراسية المنقضية، وتحديدا في منتصف التاسعة أساسي، تحصلت على معدل
9.54 من 20 في خاتمة الثلاثية الأولى في ظروف "لا يشعر بقسوتها إلا من عاش
مثلي"هكذا تقيم الفتاة وضعها. تعيش خلود في عائلة غاب فيها الأب لأسباب
يعلمها أفراد الأسرة دون سواهم ، لكن لا يفصحون عنها، عائلة تتكون من أربعة أطفال
وأمُهم التي عجزت عن إيجاد عمل لإعالة أبنائها، فبادرت البنت الكبرى بالخروج للبحث
عن عمل غير مكترثة لحصص الدرس.
وأمثال خلود
يُعدون بالآلاف بل قدرتهم وزارة التربية
بما يزيد عن مائة ألف تلميذ منقطع عن الدراسة في السنة الدراسية 2013/2012 ،حسب الاحصائيات
الرسمية التي أعلنت عنها. نقطة تستوجب الوقوف عندها، والبحث في أعماقها بدءً بالمدرسة.
تتخذ المدرسة جملة
من التراتيب في حالة انقطاع تلميذ عن الدراسة إذ يرسل مدير المدرسة مراسلة أولى ثم
ثانية ثم ثالثة يُعلم فيها الولي بانقطاع منظوره، ثم يُشطب اسم التلميذ، تدون
إدارة المؤسسة التربوية حالات الانقطاع في محضر عن طريق مجلس التربية ثم تعلم
المختص الاجتماعي الراجع بالنظر إلى مقر إقامة التلميذ ثم تعلم الإدارة الجهوية.
"يشعرنا مدير المؤسسة التربوية بحالات
الانقطاع" ذلك ما أقرته الأخصائية الاجتماعية (ح.ج) ولا تنكر أنها وزملائها
يجابهون عدة صعوبات تعوقهم على الاتصال بالتلاميذ المنقطعيين خاصة بعد الثورة رغم
أن عدد التلاميذ في رأيها محدود فهو لا يتجاوز 20 تلميذا سنويا .
هذه التراتيب ذات
صبغة إدارية يعرضها مديرو المؤسسات التربوية دون حرج، غير أن ما يحدث على أرض الواقع مغاير، فخلود
مثلا لم تتلق اتصالا من المختصة الاجتماعية بمدينتها ولم يتصل بها أي مسؤول محلي
أو جهوي، والحال أن مجلة حماية الطفل الصادرة بالقانون عدد 92 لسنة 1995 بتاريخ 9نوفمبر
1995 تهتم بمصلحة "الطفل الفضلى" وفي فصلها الثاني تضمن "حق الطفل
في التمتع بمختلف التدابير الوقائية ذات الصبغة الاجتماعية والتعليمية
والصحية(...) الرامية إلى حمايته"
ولم تتحدث مجلة حماية الطفل وحدها عن مصلحة الطفل الفضلى وحقوقه فتوجد قوانين نصصت على حق التعليم وإلزاميته صراحة وعلى رأسها أعلى قانون في الدولة وهو دستور الجمهورية التونسية الصادر في 26 جانفي 2014 والذي اعتبر في فصله 39 أن "التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة" غير أنه توجد حلقة مفقودة في هذه المنظومة وهي عبارة "الانقطاع المدرسي" وبالتالي فإن الأطراف التي ناضلت من أجل دسترة حق التعليم و إقرار إجباريته مطالبة بالنضال مجددا من أجل وضع قوانين تحدد الأطراف المتسببة في الانقطاع المدرسي وتعرضها للتتبعات العدلية والمساءلة وتدقق في دور كل طرف متدخل في القضية كالعائلة والمدرسة والسلط المعنية....
|
|
صمت الدستور صراحة
عن مصطلح الانقطاع المدرسي أو كما يعتبره أهل الاختصاص مثل الأستاذ عبد العزيز بوعكاز متفقد مادة العربية الهدر المدرسي أو التسرب أو السحب أو الفشل،رغم تعرض عدة قوانين إلى هذه الظاهرة. فالنظام
التربوي الصادر بمقتضى القانون عدد 65 لسنة 1991 بتاريخ 29 جويلية 1991 نص في فصله
32 من جملة 36 فصلا أن كل ولي يسحب ابنه دون 16 رغم كونه قادرا على مواصلة تعلمه
بصفة طبيعية يعرض نفسه إلى خطية من 10 إلى 100 دينار وتصبح الخطية 200 د في صورة
العود.
وبالتمعن في هذا
الفصل فإن العقوبة المنجرة عن سحب التلميذ من المؤسسات التعليمية ليست جدية بل هي
مجرد حجة يستشهد بها أهل الاختصاص ليبينوا أن كل ولي يمنع ابنه من مواصلة التعليم
معرض للعقاب دون الخوض في فحوى التتبعات. مع الإشارة إلى أن القانون التوجيهي عدد
80 لسنة 2002 الصادر في 23 جويلية 2002 قد شدد العقوبة لتصبح "خطية من 20 إلى
200 د وتصبح 400 دينارا في صورة العود".
رغم عدم جدية
العقوبات المسلطة على الولي الذي سحب منظوره من المؤسسة التربوية فإن مختلف
القوانين المذكورة ومجلة حماية الطفل والتقارير الوطنية لا تنكر حق الطفل في
التعليم بل تؤكد على أن الانقطاع يجب أن يكون استثناءً، حتى في حالات الرفت
النهائي من جميع المؤسسات العمومية بسبب ارتكاب خطإ فادح فتترك بصيصا من الأمل
أمام التلميذ المرفوت حتى يدافع عن نفسه وينتظر قرار الوزير المكلف بالتربية .
هذه النصوص
القانونية التي حصنت التلميذ ظاهريا لم تمنع من انقطاع أكثر من 100 ألف تلميذ في
السنة الفارطة و 34 ألف تلميذ في 2010/2009 وقد بلغت هذه النسبة ذروتها في 2004
حين بلغ عدد المنقطعين 147 ألف. نسب على قدر من الأهمية رغم تفاوتها من سنة إلى
أخرى. وهو ما أثار انشغال المختصين وتخوفهم على مصير هؤلاء التلاميذ.إذ يرى مدير عام مرصد الإعلام والتكوين والتوثيق والدراسات حول حماية حقوق الطفل محمد عادل الهنتاتي أن "الطفل المنقطع
معرض للإنحراف" حسب تقرير أورده بالموقع الرسمي للمرصد . إذ أن التلميذ المنقطع قد يتعرض إلى مخاطر عديدة.
بعد مغادرتها مقاعد
الدراسة، توجهت خلود إلى المصانع المتناثرة في أنحاء المدينة باحثة عن مورد رزق
دون أن تتساءل عن الأجر أو ساعات العمل، في الصيف المنقضي وجدت عملا تتقاضى مقابله
20د يوميا، فرحت وظنت أن مشاكلها المادية قد حُلت حتى اكتشفت أنها مطالبة بالعمل
من السابعة صباحا حتى العاشرة ليلا، ورأفة بها وبمثيلاتها تقلصت ساعات العمل في
شهر رمضان لتنطلق من السابعة صباحا إلى السابعة مساء لكن مقابل 15 دينارا يوميا.
التلميذ المنقطع طفل مهدد
لا يمكن طرح حالة
خلود والآلاف مثلها دون الحديث عن مندوب حماية الطفولة، هذه الخطة التي نص عليها
الفصل 30 من مجلة حماية الطفل ، والتي أوكلت له "مهمة التدخل الوقائي في جميع
الحالات التي يتبين فيها أن صحة الطفل أو سلامته البدنية أو المعنوية مهددة أو
معرضة للخطر..."
لا تعتبر مجلة
حماية الطفل المنقطع عن الدراسة طفلا مهددا ولم يُدرج في الفصل العشرين من المجلة
ضمن الحالات الثماني فلم يتم التطرق إلى الهدر والتسرب صراحة، وهو ما ترفضه مندوبة
حماية الطفولة ببن عروس السيدة مباركي إذ ترى أنه "توجد حالات طفولة مهددة
ليس بالضرورة ان يذكرها صراحة الفصل 20 من بينها حالات الانقطاع المدرسي لتي تدخل
في حالة التقصير في التربية والرعاية"
ولئن اعتبرت
المندوبة الانقطاع حالة طفولة مهددة فإن المندوب العام لحماية الطفولة مهيار حمادي
يعتبره في مرتبة "الخطر الملم " حسب الفصل 46 من مجلة حماية الطفل خاصة
لتلاميذ السابعة أساسي والأولى ثانوي
الذين يصنفون كأطفال ويعتبرون من الفئات العمرية الأكثر انقطاعا.
انطلاقا من هذه
الفرضية، أن الانقطاع يعتبر من حالات الطفولة المهددة بل من حالات الخطر الملم،
يعني أنه يجب الإشعار عن كل حالة انقطاع بمقتضى الفصل 31 من مجلة حماية الطفل
ف"الإشعار واجب في جميع الحالات الصعبة المشار إليها بالفصل 20". إلا أن
الإحصائيات و حسب التقرير السنوي الذي يصدره مندوبو حماية الطفولة وتحديدا في الصفحة 31 من التقرير تبين أن في
السنة الدراسية المنقضية تم الإشعار عن 90
حالة انقطاع مقابل 100 ألف حالة معلن عنها أي بنسبة 0.08℅ من حالات الهدر المدرسي. ويعتبر المندوب العام
لحماية الطفولة أن المسألة خطيرة وأن التقصير بيّن والأهم هو غياب متابعة الملفات
" فكل طرف يقوم بإجراءات إدارية معينة و تنتهي مهمته عند ذلك الحد".كما
ذكّر ببرنامج اجتماعي مدرسي أنفقت عليه الدولة وكوّنت متخصصين لمجابهة الانقطاع وهو
اليوم في الرفوف.
الطفل المنقطع ليس أرقاما وإحصائيات
بين الفترة والأخرى يتم تنظيم تظاهرات و ندوات وملتقيات
حول الانقطاع المدرسي ولعل آخرها ذلك الملتقى الذي التأم بولاية باجة في شهر مارس
المنقضي حول الهدر والتسرب: التشخيص والحلول وحاولت مختلف المداخلات التطرق إلى
جانب من جوانب الموضوع وفي كل مناسبة
تقريبا يعرض المتدخلون نسب التلاميذ المنقطعين وتصنيفهم حسب الجنس والانتماء
الجغرافي ويرتبون المناطق حسب حالات الانقطاع. وكأن التلميذ المنقطع لا يعدو أن
يكون سوى إحصائيات تعرض ثم تُنسى كما يُنسى التلميذ المنقطع ولم توضع الأصابع على
مكمن الداء فهشاشة منظومة حماية الطفل والثغرات القانونية لم تطرح.
كما غابت عناصر فاعلة في مجابهة التسرب المدرسي وهي مندوب حماية الطفولة والأخصائي الاجتماعي والنفساني. وهذا دليل آخر على عدم التناغم والتواصل بين مختلف الأطراف المتدخلة في هذه المسألة وكل طرف يلقي المسؤولية على الآخر أو يعمل في حلقة منفصلة عن باقي الحلقات الأخرى.
كما غابت عناصر فاعلة في مجابهة التسرب المدرسي وهي مندوب حماية الطفولة والأخصائي الاجتماعي والنفساني. وهذا دليل آخر على عدم التناغم والتواصل بين مختلف الأطراف المتدخلة في هذه المسألة وكل طرف يلقي المسؤولية على الآخر أو يعمل في حلقة منفصلة عن باقي الحلقات الأخرى.
منشور 2010 هكذا يسميه مديرو المدارس، هو منشور مشهور
عدده 6 و صدر في 19 أفريل 2010 حول الإحاطة بالتلاميذ المنقطعين عن الدراسة ، قدمه
ممثل وزارة التربية أحمد السليمي على أنه وثيقة ملزمة.هذا بدوره دليل آخر على غياب
الانسجام بين مختلف الأطراف والمراحل الإجرائية والفصول القانونية التي تُسخر
لمجابهة هذه الظاهرة، ففي هذا المنشور لم يُذكر مندوب حماية الطفولة في أي مرحلة
من مراحل التدخل.
تزخر الساحة التربوية والاجتماعية بالنصوص القانونية غير
أنها مليئة بالثغرات التي تجعل من منظومة حماية الطفل منظومة هشة يجب مراجعتها
وتمتين التسلسل بين مختلف الأطراف المتدخلة ومتابعة كل حالة انقطاع على حده
والتعامل معها بطريقة إنسانية أكثر منها إدارية. بالإضافة إلى الإستفادة من التجارب
الناجحة في بلدان العالم التي تعيد إدماج المنقطعين في المؤسسات التربوية حسب
مؤهلاتهم وهواياتهم. دون إهمال دور المجتمع المدني إذ يجب بعث جمعيات متخصصة في
مجابهة الانقطاع المدرسي.


0 commentaires:
Enregistrer un commentaire