dimanche 20 décembre 2015

"لماذا تركت الحصان وحيدا" بين الاستفهام والآلام


بقـــلــــــــــم : وهيبة الغالي

غلاف ديوان "لماذا تركت الحصن وحيدا" 
"لماذا تركت الحصان وحيدا"، تبدو للوهلة الأولى جملة استفهامية بسيطة توحي للقارئ أنه أمام سؤال يبحث من خلال معناه اللغوي عن سبب ترك الحصان وحيدا. غير أن رحلة البحث في عمق هذه الجملة بتفكيك رموزها والغوص في معانيها تستوقف القارئ وتدعوه للإبحار بين سطورها.
ففي مستوى أول وجب تفكيك معاني العبارة لغويا ذلك أنها تطرح سؤالا والفعل المستخدم "ترك" فيه معنى التخلي والتنصل، أما الفاعل في هذه العبارة فهو المخاطب المتصل بالفعل "تَ" وهو حسب العبارة مجهول، في حين أن المفعول به معلوم وهو الحصان قد تكون له أبعاد ورموز متصلة بالحضارة العربية، كان المفعول به متبوعا بحال "وحيدا" بما تحمله الكلمة من عزلة وغربة. وما يجلب الانتباه في هذه الجملة الاستفهامية هو غياب أداة الاستفهام التي لم يسهُ عنها الكاتب.
فسرت هذه القراءة العبارة وحللتها تحليلا لغويا يساعد القارئ على استقاء معانيها الجلية غير أن الغوص في أعماقها وفك رموزها لن يتحقق إلا بتحليلها تحليلا تداوليا يبحث في  سياقها وقائلها ومتلقيها.
هذه الجملة في واقع الأمر هي عنوان ديوان شعري لصاحبه محمود درويش نُشر سنة 1995، ويتضمن هذا الديوان بدوره قصيدة تحمل نفس عنوانه.وقد أصدر الشاعر الفلسطيني وعضو اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية حينها ديوانه بالتزامن مع اتفاقية أسلو 1994 والتي عاد على إثرها الفلسطينيون إلى غزة وأريحا، في هذا السياق التاريخي لم يُخف الشاعر محمود درويش الذي طالما ناضل من أجل القضية الفلسطينية غضبه وعدم رضاه على هذه الاتفاقية بل اعتبرها خيانة للقضية ولم يُخف موقفه من ياسر عرفات. يتأكد موقف درويش في كتاب "عرفات الذي لا يقهر" إذ جاء فيه " ختم درويش حديثه قائلاً: "إنك تدرك جيداً يا أبو عمار أنني لا أعترض على الاتفاق مع إسرائيل، ولكن كان يجب عقد اتفاقية مشرّفة، تمكننا من الحصول على أكثر مما حصلنا عليه". 
أضحى مصدر القول واضحا وفي علاقة وطيدة بالسياق الذي وردت فيه العبارة سياق تاريخي سياسي مشحون بالتوتر والخوف "لماذا تركت الحصان وحيداً؟ـ لكي يؤنس البيت، يا ولدي، فالبيوت تموت إذا غاب سكانها ". سياق جعل من الحصان رمزا للعروبة والقوة فلماذا لم يقل الشاعر "المُهر" لأنه يقصد معنى البلوغ والنضج فقد جاء في المعجم الوسيط "تحصن المُهر صار حصانا" غير أنه رغم مكانته ظل وحيدا.
وفي هذا المستوى يلعب المتلقي دورا في الخطاب، فمن هو المتلقي في هذا الديوان أو هذه القصيدة أتكون الدول العربية أم أنها منظمة الأمم المتحدة وجمهورها أم القارئ العادي أم أنه "أب" منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات "يا أبي". إن هذا الديوان وتحديدا هذه القصيدة لا يمكن أن تنفصل عن الصراع العربي الإسرائيلي الذي ما انفك الشاعر يعيش تحت وطأته منذ شبابه.
ومن هنا يمتزج التاريخي بالذاتي وتتداول الدراسات المتخصصة مدى ارتباط شعر محمود درويش بذكريات طفولته حيث ينصهر المحتوى السيري (الذي يتحدث عن السيرة الذاتية) في الشكل الشعري و "وإذ استدعى الشاعر ذكريات الطفولة والوقائع العائلية وتفاصيل المكان فإنه لا يستحضرها إلا منصهرة في تاريخ الجماعة موشومة بمأساة التهجير ووطأة الغياب وتباريح الحنين"
وفي نفس السياق تؤكد الدراسات أن شعر محمود درويش يتضمن ذكرياته وسيرته الذاتية مرتبطة بتطورات القضية الفلسطينية التي لا ينأى عنها  ف "لم يكن تحوله نحو موضوع السيرة مفاجئا. فقد أوضح درويش في إحدى رسائله الى سميح القاسم (22/ 9/ 1986) أن انشغاله بها يعود الى أوائل الثمانينات، يقول: وسأبدأ في هذا الخريف بكتابة الكتاب الذي يلاحقني هاجسه منذ أربع سنوات، كتاب البيوت، التي عشت فيها في الوطن والمنفى، من البيت الأول الى الآن"، وهو شيء من سيرة البيوت الذاتية ولكن المفاجأة تتمثل في عنوان المجموعة، وتبرز في الجملة الاستفهامية التي لم تشكل عند درويش من قبل عنوانا، مثلما تتجلى في المشهد الحواري الذي يحدد علاقة الابن و الأب في إحدى تجلياتها المنبثقة من عالم الطفولة
"لماذا تركت الحصان وحيدا" كانت تكون عبارة بسيطة واضحة المعاني لو لم ترتبط بسياق عام جاءت في إطاره مخاطبةً فئة مخصوصة لا يدركها سوى قائل الكلام، فقد جعل منها محمود درويش مادة دسمة لتحليل الخطاب وإدراك معانيه مبلغا عن طريقه معاناة رافقته منذ طفولته امتزج فيها التاريخي بالذاتي والفردي بالجماعي.




0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

تعريب : قوالبنا للبلوجر | تصميم : the template bank